منذ حوالي المئة عام, كانت ميفوق قرية صغيرة هادئة على موعد مع مؤامرة كبيرة حيكت خيوطها بذكاء فائق  و دهاء شديد. مؤامرة أعدّها حفنة من رهبان دير ميفوق متسلحين بالعلم و المعرفة و مستغلين ثقة الأهالي العمياء بهم, ليستولوا على كافة أراضي قرية ميفوق. و للأسف كان للشرّ الغلبة على الخير و لاقت هذه القرية مصيراً أسود ملأه الدمار و الخراب فإقتلع أهاليها من جذورهم و تشتتوا في هذه الدنيا بدون رحمة  و لا شفقة.

سنة 1914 تمّ التخطيط للمؤامرة بكل دقّة. و كان التوقيت جيداً جداً. العالم يمرّ بحربٍ عالمية و هذه القرية ليست على بال أحد. جمع رئيس الدير أهالي ميفوق و زعم بأن الدولة العثمانية سوف تشق طريق إلى ميفوق و على الأهالي أن يدفعوا ضريبة لإنجازها. و كان على يقين ان الاهالي سيلجأون اليه لأنهم  فقراء و غير قادرين على شراء الطعام لأولادهم بعد أن أكل الجراد محاصيلهم, فكيف يدفعون الضريبة؟  و بالفعل لجأ الاهالي إلى رئيس الدير "الأب الحنون". 

و بما أن الخطة مدروسة و الجواب حاضر سلفاً, قال لهم: "إنّ الرهبنة معفاة من دفع الضرائب للدولة العثمانية, وقّعوا على عريضة تقول أن الأراضي كلها ملك لدير ميفوق و أنكم فقط شركاء للدير, و هكذا تكون الرهبنة قد خدمتكم و جنّبتكم دفع الضريبة".  و لكن بما ان المسألة تتعلّق بأغلى ما يملك الفلاح (اي ارضه), لم يوقّع على العريضة الاّ عدد قليل جداً من الاهالي و الباقي تكفّل به مختار قرية الخاربة آنذاك ووقّع نيابة عن 84  فرداً من الاهالي ووضع 13 ختماً بدون امضاء كانت كافية لتمليك الرهبان قرية بأكملها.

و الحقيقة أن مشروع الطريق لم يكن سوى خدعة لاغتصاب اراضي ميفوق.  فإحتفظ الدير بالعريضة الّتي بواسطتها أصبحت كلّ أراضي قرية ميفوق ملكاً له. و إنتظر الرهبان الوقت المناسب لتطبيق بنود هذه الوثيقة و طلب الإخلاء و هدم البيوت.

مع بداية الحرب العالميّة الثانية, أقام رهبان دير ميفوق دعوى على الأهالي و طالبوهم بإخلاء البيوت و تسليم الأراضي لهم معتمدين على عريضة 1914. و بدأت المشاكل بين الدير و بين الفلاح  الأمّي البسيط الطيّب القلب الّذي يهاب الدولة و الرهبنة و يجهل تماماً بأمور المحاكم و أصول المحاكمات (من تبليغ, و نشر في الجرائد الرسميّة...). و بالرغم من صعوبة المواصلات في تلك الأيام,  حاول الأهالي بكلّ قواهم الدفاع عن أراضيهم و المحافظة عليها "كان أبي يمشي سيراً على الأقدام مسافة تقارب ال 100 كلم من ميفوق إلى بعبدا لحضور جلسة". 

  بدون مال و نفوذ و معرفة, كيف ينتصر الفلاح الأمّي على هذا المارد الكبير الّذي يدعى الرهبنة؟   التي استغلّت نفوذها الكبير للتحايل على القانون و ربحت الدعوى.

سنة 1943 قامت الرهبنة المارونية  بهدم 65 بيت ماروني في ميفوق و طردت الأهالي من القرية. فعلا بكاء الأطفال و عويل النساء و سيق الرجال إلى السجون. هكذا كانت ميفوق في ذلك اليوم المشؤوم. و كانت عائلتي من بين الّذين نكبوا. إنتشلتني أمي من تحت ركام منزلنا و أنا ما زلت طفلاً رضيعاً و هربت بي أنا و إخوتي الستة هائمة في هذه الدنيا لا تدري ماذا تفعل و لا إلى أين تلجأ. إذ أنّ الرهبان كانوا قد هدّدوا سكّان القرى المجاورة بالمصير نفسه إذا إستقبل أحد منهم ايّاً من المنكوبين. و كان لنا في مدينة جبيل أحد الأقرباء, فإستقرّينا عنده بعد جهد و عناء لا يوصفان. و بعد فترة قصيرة خرج والدي من السجن و حملنا إلى بيروت حيث إستقرّينا في أحد الأحياء الفقيرة.  

كانت هذه القصة المأساة  تتلى علينا أنا و إخوتي بإنتظام حتى لا ننسى كيف إعتدي علينا و إغتصبت أراضينا و هدم بيتنا و أنّه من واجبنا ردع المعتدي كائناً من كان و إعادة الحق إلى أصحابه و رد إعتبارنا و إعتبار أهلنا أحياءً كانوا أم أموات. فأصبح هذا الأمر عهداً علينا يرافقنا كصلاتنا اليوميّة.

مرّت السنين و كبرت و كبرت معي الصورة البشعة للراهب. و لكن مع الوقت أيقنت بأن في هذه المؤسسة الكريمة الكثير من الرهبان الأجلاء القديسين الخيّرين الّذين يريدون الخير للجميع و الغير موافقين على تصرّفات بعض الرهبان الّذين ما زالت تسيطر عليهم عقليّة القرون الوسطى, عقليّة الإقطاع و التعالي و التذاكي. حفاظاً على قدسيّة مؤسسة الرهبنة, يجب عزل هذه الفئة القليلة الّتي ما زالت مع الأسف تعشعش في زوايا بعض الأديرة , و تشوّه الرسالة الّتي تؤمن بها هذه المؤسسة و هي الشهادة للحق و العدل و المحبة, قبل ان تتفاقم المشاكل و  تحاول هذه  الفئة ان تمسح  اراضي ميفوق كلها لها استناداً الى المسح الاختياري (المقام عليه دعوى تزوير و تحاول هدم  البقية الباقية من بيوت هذه القرية التعيسة و تشرّد اهلها من جديد, لأن الوضع الصعب الذي تعيشه المنطقة شبيه الى حدّ ما بسنة 1914 و 1943.   إلى الفئة الخيّرة من الرهبان, أتوجه بكل محبّة طالباً إعادة النظرفي قضية املاك قرية ميفوق, و اعادة قراءة المستندات التي اعتمد عليها لتهجيرنا, و تقديم حلول عادلة و جادة و غير مفخخة كورقة "الراهب توما", و عدم الاتكال على مرور الزمن لتموت القضية مع موت جيل التهجير.

لمنع تكرار المأساة و في سبيل تحقيق العدالة, افتتحنا هذا الموقع ليكون صوتنا الى العالم كله واضعين امامه كل المستندات المتعلقة بهذه القضية, الموجودة لدينا الآن و التي سنحصل عليها لاحقاً.

نرجو من الجمعيات التي تدافع عن حقوق الانسان و من المحامين المدافعين عن المظلومين, ان يعيروا انتباههم لهذه القضية و يساعدونا لاننا بحاجة ماسة للمساعدة. و لهم جزيل الشكر سلفاً.

 

  من ضحايا المأساة

انطوان باخوس يونان